الأربعاء، 13 يناير، 2016

نكسة جدي

 من ذكريات حرب عام 86 على الصعيد الشخصي 
هذه القصة والتي اسميتها (نكسة جدي) , جرت احداثها عام 86 اثناء الحرب الدامية في الجنوب ,هذا العام  يمكن اسميه عام الانفراج والافراج للازمة التي عانى منها جدي لسنوات فقد  تحركت فيه مشاعر جدي الراكدة لاعوام , وكذا عام الافراج من الدنيا حيث غادرنا الى الاخرة بعد ان جاوز المئة عام رحمة الله تغشاه .

                                        نكسة جدي 

 لم يكن تأثير نكسة حزيران 67 التي حطمت آمال العرب والمسلمين كبيراً على جدي ,الذي أصيب بالنكسة عام 69 حينما أممت أملاكه تلاها ملاحقة سياسية لبعض أبنائه مما اضطرهم إلى الهجرة , فقد كانت نكسة جدي أقوى منها ليس مبالغة فنكسة العرب قسمت على الملايين وكللت بالنصر عام 73 مما خفف كثيراً من وطئ ألمها ,بينما نكسة جدي إصابته وقلة من التجار و رافقها التأزم ابتدأ بتأميم ممتلكاته ومطاردة أبنائه سياسياً وانتهاء بتلفيق تهمة لابنه الأصغر وحبسه ظلماً ,تلك النكسات التي تعرض لها جدي أفقدته الإحساس بالحياة ولذتها وانتزعت منه الأحاسيس فأصبح كالآلة يجر الفعل بالفعل و يكرر نفس الفعل يومياً يصحى الفجر للصلاة ومن ثم يتبعه مشي على الأقدام حتى صيرة والعودة ليفتح دكانه الوحيد الذي تبقى له ولم تطوله يد التأميم_ لأنه كان يعمل به شخصيا _ويعود إلى البيت بعد العشا صامتاً تجره رجلاه إلى غرفته العلوية غير مبالي بمن حوله حتى أن كثير من الأهل خيل لهم بأنه لا يعرف أبنائه الصغار ألحديثي الولادة , رافقه الحزن لأعوام فقد كان قليل الكلام تبعده مسافات عن أبنائه وزوجته والذين كانوا في أمس الحاجة له , هجر الحياة وانطوى يحمل أحزانه متكوما ثارة في الدكان وثارة في غرفته , كنت أمر بعض الأحيان بجانب الدكان انظر إليه ويخيل اليا بأنه لا يعرفني , في احد المرات مررت وعمتي لتأخذ منه المصروف اليومي , لم يعرني أي التفاته ظننت بأنه لم يعرفني ,بادرت وكلمته بفرحة كيف حالك يا جدي, الم تعرفني , رمقني بنظرة قائلاً الست أنتي ابنة .... أصبت حينها بخيبة الأمل والذهول معاً

ظل جدي على هذا الحال لأعوام حتى حرب عام 86 والتي اضطررنا فيها للنزوح من خورمكسر إلى عدن وكان معنا حينذاك جيراننا , كان جدي وقتها قد تجاوز عمره المائة عام إلا انه لم يمرض أو يتمارض ظل على صمته وعادته في النهوض باكراً والصلاة التي لم يفارقها إطلاقا إلا انه لم يستطع ممارسة رياضته المعهودة , كانت غرفة جدي هي الوحيدة في الطابق العلوي يتبعها سقف مكشوف وكان جارنا وزوجته يظلان لساعات طوال يتحدثان ويتوشوشان كعصفوري كناري هذان الزوجان لم يكونا شابين وإنما قد تجاوزا منتصف العمر ولديهم من الأولاد من هم في سن الزواج إلا أنهما كانا يحملان الحب والود والاحترام لكلاهما .
في إحدى المرات لمحت جدي ينظراليهما من خلف النافدة دون أن يلاحظه احد ويدقق النظر بعينيه التي أرهقها الحزن والحرمان , تكررت مراقبة جدي لهاذين الزوجين دون أن يشعرا به , وبدت عليه بعض التغيرات كأن يتحدث ويسأل عما يجري حوله , حينها شعرت بأن هاذين الزوجين قد حركا المشاعر الراكدة لزمن طويل وبدأ جدي يفيق من نكسته الطويلة ويحن إلى وليفته التي هجرها لأعوام حتى نزف عطاءها واستسلمت للحرمان.
في صباح احد الأيام سمعنا جدتي تقهقه بصوت عال استغربنا أن يبذر منها مثل هذا التصرف و في تلك الظروف , سألناها بلهفة ما الذي حدث هل انتهت الحرب , أجابتنا وهي تتمادى في الضحك لا , وإنما الشيبة يريد أن يتزوج , ضحكنا جميعنا بما فيهم جيراننا وظللنا نضحك اليوم كله ونسينا الحرب وكل ما يسألنا احدهم ,ما الأخبار نجيب بأن الشيبة يريد أن يتزوج .
وضعت الحرب أوزارها وعدنا جميعنا إلى بيوتنا الأصلية والى أعمالنا , ولكن جدي لم يعد كما كان فقد كانت هذه الحرب كالقشة التي قسمت ظهر البعير أصابه المرض ومات بعدها دون أن يحقق رغبته في الزواج .

الثلاثاء، 12 يناير، 2016

صخرة الواقع

4- انا من ضيع في الاحلام عمره

على صخرة الواقع تحطمت احلامها , تبعثرت وتفتت , وفي محاولة يائسة منها للملمتها واعادتها الى نصابها مجدداً , وفي محاولة يائسة اخرى للفتك بها وقتلها لم تنجح ايضاً , لم تجد بد من العيش بنصف حلم ونصف قلب ونصف امرأة والارتضاء بنصف وطن .