الثلاثاء، 21 فبراير، 2012

خرج وعاد بعد حين

خرج وعاد بعد حين

لم يدخل اليأس قلبها يوماً ما , فقد عاشت أحلام على أمل أن تلقى أخاها ولو بعد حين , ذلك الأخ الذي لم تراه ولم تقع عليه عينها غير في مجموعة الصور التي تحتفظ بها والدتها والتي كانت دائماً ما تسترق خلسة لتأملها حتى ارتسمت ملامح أخيها في عينيها , واصحبت تبحث عنها في كل شخص تراه , سنوات عدة انقضت منذ اختفائه في خمسينيات القرن الماضي , عندما أرسل للدراسة في مصر مع عمومه وأبناء خالاته فقد كانوا جميعاً بسن متقاربة , ولظروف اليمن في تلك الفترة والجهل المخيم وعدم توافر المدارس فقد كانت أبناء العائلات الكبيرة توفد أبناءها للدراسة خارج اليمن على نفقتها الخاصة .
تزامنت فترة دراستهم مع قيام الثورة المصرية وما صاحبها من مظاهرات واعتصامات .
وفي ذات يوم وعلى اثر خلاف بينه وبين زوجة عمه خرج غضبان ولم يعد منذ ذلك الحين , بحثوا عنه في كل مكان ولم يجدوه , رجع الأولاد بعد انتهاء الدراسة خائبين ينقصهم واحد , وأمه لم تتمالك نفسها جراء الصدمة فقد وقعت المسكينة حبيسة المرض ولم تترك باباً إلا وطرقته حتى أنها لجأت للعرافين لإخبارها أين ولدها المفقود وهل هو عايش أم ميت , ولكن للأسف لم تستدل على شئ , فالبعض أفاد بأنه عايش ومأسور من الجن , وآخرون قالوا بأنه قد مات , ومنهم من قال لها بأنه عايش وسوف يظهر بعد موتك , مرت السنون وتزوج الأولاد الآخرين وألام تزداد حسرة على ابنها الوحيد , إلا أن ابنتها كانت دائماً ما تواسيها وتهدئ من روعها .
ماتت الأم بعد حوالي ثلاثون عام من اختفاء ابنها , وبقيت الأخت وحيدة يراودها الأمل بأن ترى أخاها في يوم ما , إلى أن جاها اتصال من خلود إحدى قريباتها كانت تحضر الدكتوراة في مصر , طلبت منها أن تأتي إليها فهناك خبر ينتظرها , حزمت أمرها وفي اقرب فرصة تحركت إلى مصر , لتلتقي بقريبتها التي حكت لها الحكاية وهي :
بأن الدكتور المشرف على رسالتها , وهو مصري , حينما علم بأنها من اليمن , سألها إن كانت تعرف شخص يدعى (.سالم عبدالله....) , وهذا الشخص هو احد الأولاد الذين كانوا يدرسون في مصر , وهو ايضاً قريبها , أجابته بأنها تعرفه , وحينما سألته عن سر سؤاله , لم يخفي عليها وحكي لها بأن هناك حلماً يأتيه في المنام وهو (أن امرأة ,نحيفة جميلة لها عينان واسعتان وشعر ناعم , تحته عن السؤال عن هذا الشخص وتخبره بأنه في اليمن , والبحث عنه وإعطاء الإمارة وهي الساعة ) ,وحينما اتصلت بقريبها المذكور في الحلم اخبرها عن الساعة التي يحتفظ بها لابن خالته المفقود , كما وان أوصاف المرأة التي راها في الحلم تنطبق على والدة الفتاة التي ُفقد أخاها , يا للهول لم تصدق المسكينة بأنها قد وجدت اخيراً أخاها.
وحينما سألوه ماذا الم به حين خروجه من البيت غضبان , لم يذكر شئ , ولكن من خلال البحث عرف بأن هناك شاحنة صدمته فقد على أثرها الذاكرة , أخده احد الخيرين ولم يكن لديه أولاد تبناه وهاجروا إلى بلد آخر, رجعوا بعدها مرة أخرى لمصر واستقروا فيها , إلا أن الشك انتاب الأخت لأنه يعتنق الديانة المسيحية وهم جميعاً مسلمين , هنا سكت الأخ لبرهة وهز رأسه قائلاً
لقد تيقنت الآن وعرفت سر كلمة ( لا اله إلا الله محمد رسول الله ) فقد كنت اسمعها دائماً في داخلي تتردد ولم اعرف السر إلا يومنا هذا , فأبي الذي تبناني كان مسيحي وبديهي أن يأخذني في دينه لا نني فقدت الذاكرة والحمد لله انه أحسن تربيتي وتعليمي جزاه الله ألف خير.
اخيراً انتهت مأساة أحلام وتوجت حياتها بأخيها الذي عاد بعد حين , وهذا لأنها لم تيأس في يوم ما من روح الله .
قصة حقيقية , ليست من وحي الخيال أتمنى أن أكون قد أتقنت حياكتها وسردها .

مع تقديري لكم
اليمامة 2012